فوزي آل سيف

86

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

ثم أقبل عليه يتفقد حاله من حيث زواجه، ولما علم أنه تزوج ثيّبًا لملاحظة مسؤوليته تجاه أخواته والنساء اللاتي خلفهن أبوه وكأنه استحسن منه هذه التضحية، فلم يشأ أن يأتي لهن بفتاة مراهقة مثلهن تفتقد الحكمة وتجارب الحياة فتبدأ المشاكل بينهن، ففضل أن يتزوج ثيبًا من أجل هذا مع كونه في عز شبابه ولم يسبق له الزواج! فمن هذا الذي يعمل كذلك لمراعاة وضع أخواته ونساء أبيه؟ ولما علم بأنه لم يعمل له حفل زواج حتى على مستوى الإطعام لكون دين أبيه لا يزال قائمًا فلا قدرة له على الإطعام وأمثاله، وعده النبي صلى الله عليه وآله بأن يصنع طعامًا يكفي لعدة مئات من الناس، ووعده بأن يكون له فراش وأنماط بمساعدة النبي صلى الله عليه وآله بل باشر صلى الله عليه وآله بالفعل بشراء بعيره - لعدم حاجته له بعد الوصول للمدينة - وأخبره بأنه إذا جاء وقت حصاد الرطب فليخبر النبي حتى يبارك في تمره ويسدد منه دينه وهكذا كان! فقد نقل الواقدي تتمة خبر جابر بقوله: وجَعَلت أتَحَدّثُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثم قال: يا أبا عَبدِ اللهِ، أتَزَوّجت؟ قُلت: نَعَم. قالَ: بِكرًا أم ثَيّبًا؟ فَقُلت: ثَيّبًا. فَقالَ: ألا جارِيَةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُك! فَقُلت: يا رَسُولَ اللهِ، بِأبِي وأُمّي إنّ أبِي أُصِيبَ يَومَ أُحُدٍ وتَرَكَ تِسعَ بَناتٍ، وتَزَوّجت امرَأةً جامِعَةً تَلُمّ شَعَثَهُنّ وتَقُومُ عَلَيهِنّ. قالَ: أصَبت. ثُمّ قالَ: إنّا لَو قَدِمنا صِرارًا[237]أمَرنا بِجَزُورٍ فَنُحِرَت، وأقَمنا عَلَيها يَومَنا ذَلِكَ، وسَمِعَت بِنا فَنَفّضَت نَمارِقَها. قالَ، قُلت: واَللهِ يا رَسُولَ اللهِ، ما لَنا نَمارِقُ. قالَ: أما إنّها سَتَكُونُ، فَإذا قَدِمت فاعمَل عَمَلًا كَيّسًا. قالَ، قُلت: أفعَلُ ما استَطَعت. قالَ: ثُمّ قالَ: بِعنِي جَمَلَك هَذا يا جابِرُ. قُلت: بَل هُوَ لَك يا رَسُولَ اللهِ. قالَ: لا، بَل بِعنِيهِ. قالَ: قُلت نَعَم، سُمنِي بِهِ. قالَ: فَإنّي آخُذُهُ بِدِرهَمٍ. قالَ قُلت: تَغبِنُنِي يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: لا، لَعَمرِي! قالَ جابِرٌ: فَما زالَ يَزِيدُنِي دِرهَمًا دِرهَمًا حَتّى بَلَغَ بِهِ أربَعِينَ دِرهَمًا- أُوقِيّةً- فَقالَ: أما رَضِيت؟ فَقُلت: هُوَ لَك. فَقالَ: فَظَهرُهُ لَك حَتّى تَقدَمَ المَدِينَةَ. قالَ: ويُقالُ إنّهُ قالَ «آخُذُهُ مِنك بِأُوقِيّةٍ وظَهرُهُ لَك» فَباعَهُ عَلى ذَلِكَ. قالَ: فَلَمّا قَدِمنا صِرارًا أمَرَ بِجَزُورٍ فَنُحِرَت، فَأقامَ بِهِ يَومَهُ ثُمّ دَخَلنا المَدِينَةَ". ولما دخل المدينة وجاء يقود البعير وهبه رسول الله صلى الله عليه وآله الثمَن والجمل! ويظهر أنه في نفس المسير سأله عن دين والده، قائلاً ما فعل دين أبيك؟ عَلَيهِ انتَظَرت يا رَسُولَ اللهِ أن يُجَذّ نَخلُهُ. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا جَذَذت فَأحضِرنِي قالَ، قُلت: نَعَم. ثُمّ قالَ: مَن صاحِبُ دَينِ أبِيك؟ فَقُلت: أبُو الشّحمِ اليَهُودِيّ، لَهُ عَلى أبِي سِقَةُ[238] تَمرٍ. فَقالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله: فَمَتى تَجُذّها؟ قُلت: غَدًا. قالَ: يا جابِرُ، فَإذا جَذَذتها فاعزِل العَجوَةَ عَلى حِدَتِها، وألوانَ التّمرِ عَلى حِدَتِها. قالَ: فَفَعَلت، فَجَعَلت الصّيحانِيّ عَلى حِدَةٍ، وأُمّهاتَ الجَرادَينِ عَلى حِدَةٍ، والعَجوَةَ عَلى حِدَةٍ، ثُمّ عَمَدت إلى جُمّاعٍ مِن التّمرِ مِثلِ نُخبَةٍ وقَرنٍ وشُقحَةٍ وغَيرِها مِن الأنواعِ، وهُوَ أقَلّ التّمرِ، فَجَعَلته حَبلًا واحِدًا، ثُمّ جِئت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله فَخَبّرته، فانطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ومَعَهُ عِليَةُ أصحابهِ، فَدَخَلُوا الحائط وحضر أبو الشّحم. فَلَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله إلى التّمرِ مُصَنّفًا قالَ: اللهُمّ بارِك لَهُ! ثُمّ انتَهى إلى العَجوَةِ فَمَسّها بِيَدِهِ وأصنافَ التّمرِ، ثُمّ جَلَسَ وسَطَها ثُمّ قالَ: اُدعُ غَرِيمَك. فَجاءَ أبُو الشّحمِ فَقالَ:

--> 237 ) موضع على ثلاثة أميال من المدينة. 238 ) قيل إنها حوالي ستين صاعا